الجمعة، 14 نوفمبر 2014

اللقاء العشرون | تدارس |

'

لقاءات مجموعة | تدارس 📚 |
 في تطبيق لاين [line] 
الدرس العشرون :

سورة الأعلى 


سورة الأعلى
هذه السورة تسمى سورة الأعلى، وسورة سبِّح.
جمهور المفسرين على أنها نزلت بمكة .
ويدل على ذلك حديث البراء بن عازب أنه قال: "أول مَن قدم علينا مصعب بن عمير في جماعة، ثم قدم فلان وفلان وفلان، ثم قدم عمر في عشرين، ثم قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فما فرح الناس بشيء فرحهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعندما جاء كنت قد حفظتُ سورة سبِّح في سِوَرٍ مثلها".
هذا يدل على ماذا؟ على أن سورة سبِّح قد نزلت وجاء بها الصحابة إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة.
ومن معناها ومضمونها نستدل على أنها كانت سورة مكية.
﴿سَبِّحِ﴾، هل هذا خطاب لرسول الله أو لكل مَن يقرأ هذه الآية؟ يصلح أن يُقال هذا، ويصلح أن يُقال هذا، ولا إشكال في ذلك -إن شاء الله-.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، 
هل المُسبَّح الاسم أو الرب؟ الحقيقة أن المسبَّح هو الرب، المنزه هو الرب -سبحانه وتعالى-، وإنما جيء بالاسم ليبيِّن أن التسبيح لا بد أن يكون مذكورًا فيه الاسم، وليس المقصود تسبيح القلب، بل المقصود تسبيح القلب مع تسبيح اللسان.
 ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ أي سبِّح ربَّك ذاكرًا اسمَه، وهذه فائدة نفيسة، وهي أن التسبيح لا ينبغي أن يقتصر أمره على القلب، بل لا بد من نطق اللسان، ولذلك جاء قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
جاء بعد بذلك بقوله ( الأعلى )
ليدل على ماذا ؟!
وجاء بوصف "الأعلى" ليدلَّ على أن لله -عز وجل- العلو كله، العلو الكامل، ولم يقيِّده بعلو معين ليدل على أن له العلو بجميع أنواعه، علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر .
العلو ثلاث أنواع ماهي ؟!
ثلاث أنواع للعلو.
علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.
علو الذات: وهو أن الله -سبحانه وتعالى- مستوٍ على عرشه فوق سماواته، بائنٌ من خلقه، يُشار إليه بجهة العلو، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للجارية: «أين الله؟». قالت: في السماء. قال لصاحبها أو سيدها: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة».
- وعلو القهر: وهو أنه مستعلٍ على خلقه، قاهر لهم.
- وعلو الذات: وهو أنه فوق السماوات -سبحانه وتعالى-.
قال بعدها جل في علاه واصفًا نفسه: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾؛ أي خلق كل شيء.
﴿فَسَوَّى﴾؛ أي جعله مناسبًا لما خُلق له.
يعني مثلًا: خلق العينين وجعلهما في الرأس من أجل أن تبصر الأشياء، لو جعل العينين مثلًا في الرجلين لكان الأمر فيه مشقة، وكذلك جعل العظام القويَّة في الأسفل لتحمل البدن، هذا من التسوية، جعل كل شيءٍ معتدلًا مناسبًا لما خُلِقَ له.
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾
قدَّر كل شيء فهداه لما يُصلحه .
ولو لاحظتم في الماعز مثلاً
تجدون أن صغارها تخرج من بطن أمها، وفي دقائقَ تَهتدي إلى ثدي أمها، علمًا بأن أمها لا تلقمها ثديها، وأنها تهتدي إلى الثدي، وتعرف مكان اللبن، دون أن ذلك يكون بتعليم من الأم فسبحان الذي هداها .
بل انظروا إلى الجنين عندما يخرج من بطن أمه، من حين ما تلقمه الأم الثدي يبدأ بالمصِّ، مَن الذي علمه أن يمصّ؟ لماذا لا يوضع الطعام أو الشراب في فمه فيبتلعه؟ لا، يمصُّه مصًّا قويًّا. مَن الذي هداه لذلك؟
الله جل في علاه ..
قال الله -جل وعلا: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾
ما معنى هذه الآيه ؟!
أي النبات والكلأ الذي يكون في البراري والبوادي.
قال: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، ما معنى هذه الآيه ؟!
جعل هذا المرعى الأخضر، ﴿غُثَاءً﴾؛ أي يابسًا، ﴿أَحْوَى﴾، قد اسودَّ من اليُبسِ.
وهذا فيه تذكير بماذا؟ 
تذكير بأمر البعث، لأن أمر البعث يكون كما يكون حال هذا النبات في البراري، يصل إلى حالة اليُبس، ثم ينزل عليه المطر في الموسم القادم فيعود أخضر، كذلك أنتم يا بني آدم، تموتون فتُبْلَون فيبعثكم الله -سبحانه وتعالى- فتعودون كما كنتم.
بعد ذلك انتقل إلى وعدين كريمين لرسولنا -صلى الله عليه وسلم- قال فيهما: ﴿سَنُقْرِئُكَ فلَا تَنسَى﴾ .
يا محمد هذا وعدٌ منَّا أننا نُنزل عليك هذا الكتاب الذي لا عهد لك به، فتقرأه فلا تنسى منه شيئًا، سنقرئك يا محمد فلا تنسى شيئًا من هذا القرآن الذي اقرأناكَ إيَّاه، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعالج من التنزيل شدَّة، وكان يقرأ وجبريل يوحي إليه هذا القرآن .
 ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، يعني إلا ما شاء الله أن تنساه .
قال: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾، فهو -سبحانه وتعالى- الذي يعلم ما نجهر به وما نخفيه.
وهذا يدعونا إلى ماذا ؟!
عندما نعلم أن الله يعلم الجهر والخفاء ؟!
نعم تقوى الله ومراقبته في السر والعلن والمخافة في للخلوات
إذا كان الله يعلم ما نخفيه فهو قطعًا يعلم ما نجهر به، فما الذي جعله يقول: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾؟ لماذا لم يكتفِ بقوله: "إنه يعلم ما يُخفى" مثلًا، لماذا قرَن بينهما؟
ليبين لنا الله أن علمه بالجهر وبما يُخفى على قدر سواء ، ما نخفيه وما نسره في أنفسنا وما نعلنه، كلها بالنسبة له سواء -سبحانه وتعالى-.
البشر لا يتساوى علمهم بالجهر والخفاء 
فهم يدركون الجهر والعلن من الشيء .
لكن قد لا يدركون الخفاء .
لكن الله علمه بالجهر والخفاء متساويان .
الوعد الثاني لرسولنا -صلى الله عليه وسلم- قوله: ﴿وَنيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾، هذا وعدٌ كريم لرسولنا -صلى الله عليه وسلم-، وهو أن الله سيهيِّئ له أسباب اليُسر، الأسباب الموصلة إلى الجنة بيسر، وأسباب الحياة الكريمة بيسر أيضًا، ومن ذلك يُسر دينه -عليه الصلاة والسلام-، فدين محمد يسير وسهل وسمح.
 ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، أمره الله -عز وجل- أن يُذكر، بعد الوعيد أمره بهذا الأمر، وهو أن يذكر.
والتذكير هو أن يقول أو يأمر بالشيء ويذكر الناس به، ويُعلمهم إياه مرة بعد أخرى، التذكير يكون بتعليم الشيء الذي يجهل الناس، ويكون أيضًا بتكرار الشيء الذي قد عُلموه، كل ذلك يُسمَّى تذكيرًا، فذكر.
هل هذا معناه أن الذكرى إن لم تنفع فلا يذكر ؟!
(فذكر إن نفعت الذكرى )
الآيات تدل على أن الذكرى نافعة بكل حال؛ لأنها تكون على الذي يخشى تنفع بالاتباع، والذي لم يخشَ تنفع بإقامة الحجة وبراءة الذمة.
﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾، 
قال الله -عز وجل-: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿9﴾ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾، هذا وصفٌ لمَن يتذكر وهو أنه يخشى، فكل مَن وقعت الخشية في قلبه والخوف من الله -عز وجل- والعلم بالله؛ لأن الخشية تختلف عن الخوف من جهة أن الخشية خوف بعلم، وأما الخوف فلا يلزم فيه أن يكون بعلم.
قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾، مَن يخشى الله -سبحانه وتعالى- سيتذكر وينتفع بما يسمع من الموعظة والأمر والنهي والعلم.
وهذا هو حال من ينتفع بالذكرى
ثم قال بعدها
﴿وَيتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾؛ أي يبتعد عنها ويجانبها فلا يقبلها ولا يستمع إليها.
﴿الْأَشْقَى﴾: الذي كتب الله عليه الشِّقوَة.
نعوذ بالله من ذلك .
قال: ﴿الَّذِي يَصْلَى﴾؛ أي يدخل ويقاسي حرَّ النار.
﴿يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾، وهي نار جهنم، نسأل الله العافية والسلامة.
وهل قوله: ﴿الْكُبْرَى﴾ يدل على أن هناك نارًا قبلها؟ 
هل قبل نار التي في يوم القيامة نار ؟!
نعم .
وهي النار التي تنال الإنسان في قبره؛ لأن مَن يُعذَّب في قبره يُفتَح له بابٌ إلى النار، فيأتيه من سُمومها وحرها فيقول: يا رب لا تقم الساعة، لا تقم الساعة، لِما يعلم من أن عذابه إذا بُعثَ أشد من عذابه وهو فيقبره.
قال الله -عز وجل-: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا ولَا يَحْيَا﴾،
إذا كان لا يموت ولا يحيى، إذن ما حاله؟ لا هو ميت ولا هو حي، وكل الموجودات إما أن توصف بالموت أو توصف بالحياة، وليس لها وصف ثالث، فما معنى هذه الآية؟
يعني لا هو ميتٌ فيستريح، ولا هو حيٌّ فيتنعم ويتلذذ بحياته، فلا هو من هؤلاء، ولا هو من هؤلاء.
وهذا من شدة العذاب فلا يموت ويرتاح من هذا العذاب ولا هو حي مستريح من هذه النار فينعم .
قال الله -عز وجل- بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾، هذا هو المقطع الأخير في هذه السورة الكريمة .
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، والفلاح هو الفوز والظفر بالمطلوب، ومنه سميَ "الفلاح" يفلح الأرض لأنه ماذا؟ يفوز بالثمرة والزرع والغرس، ونحو ذلك.
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾؛ أي فاز وظفر بالمطلوب.
﴿مَن تَزَكَّى﴾؛ أي مَن زكَّى نفسه وطهرها.
التزكية تكون بأمرين ما هما ؟!
التزكية بأمرين :
- تخلية.
- وتحلية.
تخلية كيف ؟!
تخليه من الشرك، من البدعة، من المعصية ، تطهير للنفس من الذنوب .
ثم بعد ذلك التحلية كيف تكون ؟!
بعد ما طهر القلب والجوارح من الذنوب والمعاصي والشرك والبدع .
يُحلى بالتوحيد والإيمان، وبالسنة، وبالطاعة والأعمال الصالحة، ولا بد من ذلك، وإلا فلا تزكية.
وهذه هي التحلية .
قال: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾، طهر نفسه من الذنوب والمعاصي، وزكَّى نفسه بالإيمان والتوحيد والطاعة.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾؛ أي أكثر من ذكر اسم الله -عز وجل-.
﴿فَصَلَّى﴾، جعل الصلاة مبنية على ذكر اسم الله ليبين لنا أن الذي يذكر الله ويعظم الله في نفسه، ويكثر من ذكره بلسانه يدعوه ذلك إلى أن يستكثر من الصلاة، وتستجيب للصلاة أعضاؤه، ويستجيب له بدنه .
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾؛ ما معناها ؟!
أي تقدمون وتختارون الحياة الدنيا الفانية العاجلة، لما طُبع فيكم من حب العاجل.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، يعني كيف تؤثرون الدنيا الفانية الأولى العاجلة، والآخرة قد جمعت بين أمرين عظيمين:
- الأول: أنها خير، خير في ذاتها.
- والثانية: أنها باقية.
ولذلك قال أحد السلف: "لو كانت الآخرة خزفًا يبقى، والدنيا ذهبًا يفنى، لكان حريًّا بالعاقل أن يأخذ الأبقى، فكيف والآخرة ذهب يبقى، والدنيا خزف يفنى؟!"
من الأشياء العجيبة التي لا يجوز أن تذهب عن أذهاننا، وهي أن الآخرة خير في ذاتها وباقية لا نفاد لها، ومع ذلك الناس يؤثرون الفانية التي فيها المتاع الذي امتلأ بالمنغصات والمنكدات والبلايا والرزايا.
قال: ﴿إِنَّ هَذَا﴾؛ أي هذا الوارد أو المذكور.
﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، مذكور في الصحف الأولى التي سبقت هذه الصحيفة التي أنزلت على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وهي القرآن.
 ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، ذكر منها صحف إبراهيم، وهي الكتاب الذي أنزل على إبراهيم تسمى صحف إبراهيم، ولا يُعرف لها اسم آخر غير هذا، وموسى وهو التوراة.
وبهذا نكون انتهينا من سورة الأعلى
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يفقهنا في الدين، ويعلمنا تأويل الكتاب المبين، ويجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.




ليست هناك تعليقات: